لمدينة دمنهور مواقف خالدة عبر التاريخ

لمدينة دمنهور مواقف خالدة عبر التاريخ و لا نبالغ إذا قلنا أن إقليم البحيرة هو

1b60b-71989842

ebf1c-55223936

186d7-79028708

c5ad0-75949198

1b678-81272193

c6f7e-84394408

b71ce-86519354

cff15-opera_damanhour

df2d0-15510516

9d1be-14506785

d7b1c-19989505

caf17-59428910

e3340-1

eef3d-85439350

1965مطعم وكافتيريا برج البحيرة أو ما كان يعرف بالأوبرج وكان يقع عند مدخل دمنهور من جهة شارع المعهد الديني ومكانه اليوم محطة بنزين

KONICA MINOLTA DIGITAL CAMERA

م-كيتامورا مع رئيس المدبنة

154298_173487656012047_4669773_n

155015_172289136131899_1350376_n

استاد دمنهور سنة 1963

النصب التذكاري لشهداء مديرية البحيرة في معارك منطقة القنال( قام الرئيس محمد نجيب بإزاحة الستار عن النصب التذكاري أثناء زيارته لدمنهور سنة 1953)

سكن مدير البحيرة والموقع الحالي هو مجمع المحاكم

دمنهور يوم الأربعاء 15 يونيو 1966.. ومديرية الأمن القديمة كانت قد إنشئت سنة 1882 وظلت في مكانها حتي بدايات السبعينيات من القرن الماضي ونقلت بعدها إلي شا

جزيرة البط

بدأ مد خطوط السكة الحديد بمصر سنة 1854 وقد كانت بداية الخط من الأسكندرية

شارع الجمهورية سنة 1969

شارع المديرية في أواخر العشر ينيات حيث كان هناك العديد من المباني مثل مديرية أمن البحيرة والتي تم إنشائها سنة 1882 ومكانها اليوم الميدان وتمثال الشيخ محمد عبده

صورة الأستقبال الرسمي لوزير التربية والتعليم السيد يوسف

صورة البوابة الخارجية لمدرسة دمنهور الأهلية أو ما كانت تعرف بمدرسة نوار والتي أنشائها المرحوم الأستاذ محمد نوار ابراهيم نوار في منتصف الثلاثينيات وتم إدخال نظام المرحلة الإعدادية في الخمسينيات

صورة المدرسة الأميرية ( مدرسة الميري ) سنة 1987 والتي تم البدء في إزالتها في يوم السبت 26 مايو 1990في عهد الدكتور عادل إلهامي محافظ البحيرة وكان أخر مدير لها هو المرحوم الأستاذمحمد زين الدين

صورة لحديقة ونافورة ميدان المحطة ( اول يناير 1987)وكانت قد تم إقامتهما في نفس المكان الذي كانت تشغله مديرية أمن البحيرة قبل هدمها في بدايات السبعينيات

عمارة يونس سنة 1938 بشارع الملك فؤاد الأول ( شارع الجمهورية حاليا

كانت تجارة وحليج الأقطان من أهم مصادر الحياة التجارية في دمنهور وكانت أسعار القطن تحدد في دمنهور وقدرت قيمة الأقطان الموجودة في محالجها (22) ومخازنها بما يقرب من خمسين مليون جنيه مصري بأسعار سنة 1951

مسجد الحبشي وسجن دمنهور ومدخنة محلج أحمد بك الوكيل

للصهريج الخرساني الذي أقامه الإنجليز سنة 1947

لفندق دمنهور السياحي التقطت في سنة 1969

كلية الشريعة والقانون سنة 1984 وكان المبني قبلها تشغلها مدرسة دمنهور الثانوية للبنات

مسجد الحبشي وقام بإنشائه حسين باشا الحبشي في عشرينيات القرن الماضي والمسجد علي الطراز المملوكي

منتزة ميدان مطبعة حلبي ( دار الطباعة الوطنية ) وماكن المنتزه اليوم مجموعة الورش والحداده التي تقع أمام مطحن النشار بالعبارة

منظر عام لكوبري أفلاقة في أواخر العشرينيات ( الموقع الحالي النافورة )وكان الكوبري لمرور السيارات والمشاة أما قطار الدلتا ( السكة الحديد الضيقة فكان الكوبري الخاص بها يمر بجوار مسجد الهداية

وبعد هدمها إنتقلت إلي مدرسة أحمد محرم (فترة ثانية) تحت مسمي مدرسة توفيق الحكيم الإعدادية ثم ضمت إلي مدرسة أحمد محرم في سبتمبر 1995.. ومما هو جدير بالذكر أن المدرسة الأميرية الإبتدائية تم إنشائها سنة 1882البوابة الخلفية لصناعة الحدث في مصر عبر العصور المختلفة فقد كانت البحيرة أرض الثورات و الانتصارات و نخص بالذكر هنا دمنهور الباسلة و المجهولة حيث كان قدر مصر دائما ألا يخلد إلا تاريخ عاصمتها فقط على انه تاريخ مصر كلها و اكبر دليل على ذلك تجاهل دور شعب البحيرة في الدفاع عن مصر ضد الحملة الفرنسية و الذي لا يمكن تجاهله بأي شكل من الأشكال حيث كانت مقاومة أهل البحيرة مقاومة عنيفة يتضاءل بجانبها ثورتي القاهرة الأولى و الثانية المشهورتين و من الجدير بالذكر أن لدمنهور دور جهادي مجهول لا يقل بأي شكل عن جهاد جروزني الباسلة أو قطاع غزة الصامد ،دمنهور التي قدمت ما يزيد على الألف وخمسمائة شهيد في إحدى معاركها مع الحملة الفرنسية على مصر علما بأن هذا العدد يكاد يقارب خمس سكان المدينة في ذلك الوقت كما أن هؤلاء الشهداء قد سقطوا في معارك الفداء و ليس هذا وحسب بل لقد واصلوا الجهاد بعد ذلك ضد محمد بك الألفي عميل الإنجليز حتى تمكنوا من دحضه عن أرضهم و تثبيت محمد علي في حكم مصر حيث تعد دمنهور هي صاحبة الدور الرئيسي في هذا الامر ، و نحن لا نريد أن نمن بوطنيتنا أو ندعي شرفا ليس لغيرنا مثله من مدن مصر– فإذا أردنا ذكر بطولات المدن المصرية فسنعجز عن الحصر فنحن لا ننسي بطولات دمياط و المنصورة و رشيد و ميت غمر (التي احرقها الفرنسيون هي و طنطا عقابا لهما على وطنيتهما ) وكذلك زفتا و رشيد و الرحمانية وشبراخيت و المحمودية و أسيوط والمنيا و الإسكندرية.

و كانت البحيرة تشتهر لدى العثمانيين بانها أرض الثورات و أنها لا ترضى الظلم و الدليل على ذلك أنه في عام 1148 هجرية طلب الباب العالي من مصر ثلاثة آلاف جندي للمحافظة على الأمن في بغداد بشرط الا يكونوا من الثوار و خاصة أهل البحيرة .

و نود أن نذكر في هذا الصدد – و نحن نتحلى بأقصى درجات الأدب و ضبط النفس – أن من يزعم أو الشعب المصري شعب خامل أو خانع مقارنة بغيره بأنه لم ير غيره ومن يزعم بأنه شعب سلبي على مر التاريخ بأنه يجهل التاريخ و بأنه يعيش حالة من الجهل المطبق حيث لا يعلم أنه جاهل،و الغريب ان البعض يتجرأ على ذلك و هو لا يعلم أن اصغر حاره في مدينته التي يقيم بها رويت بدماء العشرات من الشهداء في فترة يصفها المؤرخون بأنها من أحط فترات التاريخ المصري فما بالنا بفترات السمو

وقد كان هذا البحث رد عملي على كل من يظن أن شعبنا ذليل بالوراثة ، و أنا لا أبالغ إذا زعمت أن معظم الصفوة و النخب تردد في مجالسها الخاصة ما يسيء الى شعب مصر و كل من يقول ذلك يستثني نفسه طبعا من الصفة التي يسم بها بلده و بعض القيادات و المثقفين يبرر فشله او تقاعسه عن أداء واجباته بالإساءة لهذا الشعب بل الأدهى من ذلك ان بعض القائمين على امور الوعظ و الارشاد الديني يبررون عدم تأثر الناس بهم بالاساءة لهذا الشعب ، قد يستغرب البعض هذا الزعم و لا يصدقه و هذا طبيعي لأن ما أرد عليه من خلال ذلك البحث لم ينشر كرأي علمي و لا يقال أمام ملاء من الناس و لكنه حديث المجالس الخاصة و الأبواب المغلقة .

و إليكم القليل من تاريخ مدينة واحدة من مدن مصر المرابطة إلى قيام الساعة بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم(مع بعض لفتات الى بعض بطولات البحيرة)

الفتح الإسلامي لمدينة دمنهور :

(دمنهور:سار عمرو بجيش المسلمين يدفع الروم أمامه إلى الشمال الغربي على جانب الترعة التي تلي الصحراء حتى بلغ الدلنجات وهي معروفة بذلك الاسم إلى الآن و معناه قديما الاسم الطيب أو الانتصار ومنها سار إلى الشمال في تجاه دمنهور فوجد الروم يعترضون طريقه عند سنطيس وهي على ستة أميال في جنوب دمنهور ووقعت هناك في سنطيس معركة شديدة انهزم فيها الروم واندفعوا هاربين أمام المسلمين إلى دمنهور ولم يحاولوا الوقوف عندها والمسلمون في أثرهم ودخلوا دمنهور فخرجت حاميتها مسرعة تلوذ بالفرار مع جنود الروم المنهزمين من سنطيس .

و كان لفتح دمنهور أهمية خاصة فرح به المسلمون أشد الفرح إذ كانت قنطرة المسلمين لتحطيم دولة الروم في الإسكندرية و من ثم القضاء على الوجود الروماني في شمال افريقيا و جنوب البحر الابيض المتوسط مما يعني سقوط الجانب الاعظم من مستعمرات الدولة الرومانية و قد كتب عمرو إلى الخليفة بفتح دمنهور و بعث بالكتاب مع ( عمرو بن لؤي) .

(الفتح الإسلامي لمصر: للأستاذ عوض القهوجي)

خربتا و الدور الحيادي العظيم في فتنة علي بن ابي طالب(كرم الله وجهه)

و معاوية بن ابي سفيان(رضي الله عنه) :

خربتا هي إحدى قرى إقليم البحيرة

من ذا الذي يصدق أن قرية خربتا قد قامت بدور حيادي خطير في الفتنة التي اشتعلت نارها بين الصحابة بعد مقتل سيدنا عثمان ابن عفان رضي الله عنه و أرضاه .

كان لبلدة خربتا دور كبير في حقن دماء المسلمين حيث كان كل من يريد أن يعتزل الفتنة كان يعتصم بها و كان هذا موقف اصيل لم يتغير بتغير الحكام و عندما اراد احد الولاة ان يجبرهم على الحرب لصالح أحد الطرفين حاربوه حتى انتهى الامر بإقرار الامام علي بحق خربتا في اتخاذ موقفها الحيادي

أنظر في هذا الأمر بالتفصيل ص341:337 نفس المرجع السابق بتصرف،و من كتاب علي بن ابي طالب من الميلاد الى الاستشهاد بقلم د/أحمد السيد يعقوب الرفاعي ص405:396.

أهل دمنهور في مواجهة الحملة الفرنسية :

كان كاشف البحيرة(واليها) قد تلقى رسائل من أهل الإسكندرية تطلب النجدة لتعرضهم لخطر هجوم الفرنسيون عليهم ، فجمع عربان البحيرة أنفسهم و انضم إليهم المجاهدون من الإقليم و تقدمهم الكاشف و زحفوا على ظهور خيولهم دفاعا عن الإسكندرية .

و لما رأي أهل الإسكندرية بسالة أهل البحيرة اشتد أزرهم فوقفوا يصدون جنود فرنسا من احتلال الإسكندرية و لكنهم لم يصمدوا أمام الفرنسيين و أن كانوا قد كبد وهم خسائر كبيرة ( مائة و خمسون قتيلا ) وجرح كل من مينو و كليبر بجراح .

أما الجيش الذي سلك طريق البر فقد غادر الإسكندرية و على رأسه نابليون و مر في محاذاة ترعة المحمودية اما الترعة فقد جف ماؤها لأنها لم تكن تمتلئ بالماء إلا في زمن الفيضان فلقي الجنود تعبا شديدا في الطريق بسبب العطش و لم يبقى أمامهم إلا الشرب من الآبار و لكن الأهالي قد أتلفوها حتى لا ينتفع بها العدو و تلاقت الفرق في دمنهور يوم 7 يوليو و في صباح اليوم التالي وصل نابليون و معه أركان حربه .

و في يوم 10 يوليو قامت الفرق كلها من دمنهور قاصدة الى الرحمانية فاحتلتها في اليوم التالي و هناك التقت القوات البحرية الفرنسية بقيادة دوجا مع القوات البرية الفرنسية بقيادة نابليون و حدثت معركة شرسة على ضفاف شبراخيت (قرية منية سلامة) بين الحملة من جهة و بين المماليك و الأهالي من جهة أخرى و انهزم المماليك و كان أول انتصار لنابليون على المماليك ولكن بعد معركة شرسة تمكن فيها الأهالي من إغراق خمس سفن فرنسية و استولوا علىاثنتين وجرح بيريه (أحد قيادات الحملة) [ المرجع السابق ص374،375].

البحيرة تحمل لواء المقاومة :

كان لأهالي مصر عموما دور كبير و مشرف في الجهاد ضد الحملة الفرنسية حمل لواءه معظم الوقت آهل البحيرة و لكن موضوع البحث هنا هو دمنهور لذا سنخص بالذكر دمنهور و نشير إشارات سريعة الى المجاهدين من المناطق الأخرى.

كانت البحيرة أول إقليم حمل راية المقاومة و الجهاد قبل أن تطأ أقدام جنود نابليون شواطئ الإسكندرية حيث لبوا نداء كاشف الإسكندرية للجهاد ضد الغزو الأجنبي و سرعان ما خف آهل البحيرة قبل غيرهم الى النضال مع جزار يهم وجلاديهم جنبا إلى جنب لم ترهبهم مدافع نابليون بل تربصوا بالجنود على طول الخط فانه لم يكد جيشه يبتعد بمسافة فرسخ عن (الكريون) حتى كان العرب والفلاحين ينقضون على كل كتيبة و يخطفون المتخلفين من الجنود فيقتلونهم و يتخذون من أسلحتهم عدة للجهاد .

و لما وصل الفرنسيون الى دمنهور كان ستة آلاف رجل من الاهلين على استعداد للقتال (و قدكان سكان دمنهور يتراوح عددهم بين 8و10 آلاف نسمة ص109من المرجع السابق) و خشي الجنرال ديموي(و الذي قتل في ثورة القاهرة بعد ذلك) أن يصطدم بهم و إلا كان في هذا الصدام سحق الحملة عن آخرها فلجأ الى إبعادهم بقذائف مدافعه و اضطر الى الانسحاب عن دمنهور و التقهقر الى بركة غطاس و تربص له آهل المنطقة ثانية حتى أفلتت منهم الكتيبة بكل صعوبة الى أن وصلت الى الإسكندرية و هي مثخنة بالجراح ثم عدلت خط سيرها الى رشيد بعد أن خسر ديموي ثلاثين من جنوده بين قتيل و فقيد مما شجع الأهالي على مواصلة مناوشاتهم حتى دخلت الكتيبة معسكرها بالإسكندرية يوم 20 يوليه و ظلوا مرابطين خلف أسوارها

و اخذ أهل القرى في البحيرة على طول خط سير الحملة يتعقبون جنود البغي والكفر الذين يتخلفون عن الفرق التابعين لها سواء بسبب التعب أو المرض أو بسبب التخلف لإبلاغ الرسائل اليومية و البلاغات الحربية الى قادة الفرق أمعن المواطنون فيهم قتلا و ذبحا .

و في نفس المصدر قصص عن نهب الجنود الجائعين قرى البحيرة التي مروا بها ، و من الجدير بالذكر أن الضباط لم يستطيعوا مقاومة جنودهم و هم يتذمرون من الجوع و العطش حتى اضطر نابليون أن يوجب على نفسه إلا يتناول غير وجبة واحدة خفيفة كل 18 ساعة .كما أحرق أهل البحيرة غلالهم و حصاد جهودهم لعام زراعي كامل حتى لا يستفيد منها العدو . ص377

و فاجأ الفرنسيون عدد من المرابطين يوم 23 يوليه عند باب رشيد وهو الباب الشرق من أسوار الإسكندرية و ضاقت أنفاس جنود (ديموي) بهذا الحصار المفاجئ الذي ضربه الشعب حوله مما اضطره الى قتل 43 من الأهالي و أدرك يومئذ أن هناك اتصالا وثيقا بين المجاهدين في كل من الإسكندرية و دمنهور مما أثار دهشة الفرنسيين [ وفي هذا اكبر رد على من يدعون أن مصر كانت قبل الحملة شعب جاهل متخلف و يبالغون في ذلك الأمر فها نحن نرى حركة منظمة من بلدان مختلفة تجمع عدد كبير من الناس و تتم بشكل سري يباغت الفرنسيين رغم ان تلك الحركة كانت نابعة من الشعب و ليست من جيش نظامي] فصبوا جام غضبهم على البطل السكندري محمد كريم و قد انتهوا منه بمهزلة سموها محاكمة و كانوا قد نقلوه الى رشيد فتظاهر أهل رشيد الأحرار يوم 30 يوليه فاضطروا الى نقله فورا الى القاهرة .

و اشتدت المقاومة الشعبية و قدم المواطنون كل ما لديهم من العون الى جيش مراد بك وهاجر معظمهم تاركين مزروعاتهم للانضمام لجيش مراد بك.

و أشعل مينو النار في قرية السالمية لان أهلها قتلوا ثمانية من حملة البريد الفرنسي.

و كتب مينو الى نابليون طالبا المزيد من المدد والشكوى من أهالي رشيد ، و أرسل كليبر الى نابليون أيضا في 31 يوليه يقترح عليه وضع حاميات قوية من المشاة و الفرسان في دمنهور و الكريون بالمدافع [ لتوطيد النظام في البحر والنيل و ترعة المحمودية وحماية المواصلات البرية (و التي تتعرض لخطر عظيم) في إقليم البحيرة ].

كما أمر كليبر(الذي قتله المجاهد سليمان الحلبي فيما بعد) بحرق بركة غطاس التي استطاعت قطع المياه وطريق الملاحة النهرية عن الحملة وذلك بقطعها لترعة المحمودية .

و لم ينسى نابليون ما فعله أهل دمنهور بقوات الجنرال (ديموي) فأرسل إليها القومندان (بيرب) فتوجه من القاهرة الى الرحمانية و منها الى دمنهور فجرد أهلها من السلاح و اعدم خمسة من أعيانها و مشايخها الذين اشتركوا في الموقعة و أرسل خمسة وعشرون رجلا كرهائن الى القاهرة و أمره بالعودة الى الرحمانية فأقام بها قلعة و مستودعات للذخيرة تمهيدا لجعلها عاصمة للبحيرة بدلا من دمنهور .

(كل هذا حدث في شهر واحد فقط من دخول الحملة وهو شهر يوليو)

لم يعد نابليون قادرا على ضمان وسائل الاتصال بينه و بين قواده -و خاصة بعد هزيمته أمام الإنجليز في موقعة أبى قير مما أدى الى ارتفاع الروح المعنوية لدى المجاهدين المصريين -مما جعله يعين ثلاث فرق من اليونانيين في 27اكتوبر1798م و مهمة هذه الفرق حراسة عربات البريد في الطريق بينه وبين سائر الحاميات وكانت كل فرقة تتكون من مائة يوناني وجعل مراكزها في القاهرة ودمياط ورشيد .

و في 12 سبتمبر ثار أهالي شمال البحيرة وانقض الأهالي على قافلة بها مينو و علماء الحملة وقتلوا أحد العلماء و أصابت نيرانهم حصان مينو ، أقامت الحملة مخافر جديدة في البحيرة

وفي 20سبتمبر(الموافق شهر رمضان شهر انتصارات الامة)ثار الأهالي مرة أخرى في رشيد وما حولها وانتهت بعد إعدام عدد من مشايخ ادفينا و رشيد رميا بالرصاص في رشيد . (التفاصيل في نفس المرجع ص383.)

دمنهور.. على فوهة البركان :

(ديسمبر 1798)

ظن الفرنسيون أن الإرهاب سيوطد مركزهم في البلاد و حسبوا أن ثورة ادكو و ادفينا قد انطفأت بإطلاق الرصاص على مشايخهما و لكن الثورة الشاملة ، و كانت انطلاقة العملاق قد بدأت من هاتين القريتين و كان لهما موعد مع القدر بما لم يكن في حسبان مينو و كليبر(الذي قتله المجاهد سليمان الحلبي فيما بعد) و لا نابليون نفسه .

و أثبتت الأيام أن جميع الثورات التي اندلعت ضد الفرنسيين و عمت الوجهين القبلي و البحري إنما كانت امتداد للثورة الأولى التي انفجرت في ادكو و ادفينا يوم 20 سبتمبر.

و لم يكد ينقضي الشهر حتى كانت دمنهور قد رفعت علم الثورة و تأهب لإخمادها الجنرال مورا بأمر مينو الذي عزز قوة مورا بقوة أخرى و اعتقل العديد من زعماء الثورة و استشهدوا في سبيل الله حيث أعدمتهم حملة التنوير رميا بالرصاص في أحد ميادين دمنهور المجاهدة ، و فرضت على دمنهور غرامة حربية و انحاز المجاهدون الى الصحراء يتحينون فرصة أخرى للانقضاض على العدو و استمر مورا مقيما في دمنهور لإخماد الثورة في القرى المجاورة و بدأ جنود العدو في نهب الأموال تحت مسمى جمع الغرامات فكانت الدفعة الأولى ستين جملا محملا بالغلال نهبت من القرى المجاورة لدمنهور و أرسلت الى جنود الحرية والخير في الإسكندرية.

و غادر (لوترك)دمنهور في أوائل ديسمبر الى قرية دير امس وكان المجاهدون يرابطون بها و على رأسهم سليم

كاشف و إبراهيم الشوربجي ،ضرب الجنرال عليها الحصار بقواته و لكن المجاهدون تمكنوا من الخروج

سالمين من الحصار الى الصحراء و اخذ الفرنسيون بعض الراحة في دير امس.

حرائق في علقام بأمر نابليون

أوفد نابليون ياوره (جوليان) من القاهرة برسالتين إحداهما الى ابى قير والأخرى الى كليبر فخرجت به السفينة في فرع رشيد حتى وصلت الى علقام فجنحت بهم السفينة الى الضفة و نزل الجنود الفرنسيون منها ، واتت فرصة الجهاد الى أهل علقام فهجموا على العدو هجمة رجل واحد وقتلوهم حتى لم يبقى منهم واحد .

وطار الخبر الى نابليون فاشتد غيظه فأمر الجنرال (لانوس) بحرق القرية حتى لم يبقى فيها ديار ولا نافخ نار .

و قرر نابليون بعدها إنشاء أسطول نهري من السفن الحربية الصغيرة للقيام بدوريات على ضفاف فرع رشيد

الثورة الكبرى في البحيرة :

أحس الجنرال مينو بالخطر قبل أن تهب العاصفة فبعث الى نابليون بتاريخ 15 فبراير يقول:[بدأنا نشعر باختمار فكرة الثورة في البلاد المجاورة لرشيد و اخذ أهالي بعض القرى الثائرة يهددون الملاحة في النيل ].

وقد كان نابليون انشأ ديوان القاهرة وكان الشيخ الشبراخيتي و الشيخ الدمنهوري بالنيابة عن إقليم البحيرة في هذا الديوان إلا أن ذلك لم يحد فكرة الثورة. ص109

فلما كان شهر مارس كانت الثورات أهلية قد اشتعلت نيرانه في الإسكندرية و رشيد و ما حولهما (على ضفتي النيل قرب رشيد:برنبال و مطوبس و كفر شباس عمير و القنى و السعدة ).

و في ابريل سنة 1799 اشتد اوار الثورة في البحيرة على اثر ظهور مجاهد مغربي أخذ يحض الناس على الجهاد ضد الفرنسيين أعداء الله فالتف حوله أولاد علي والهنادى(قبائل عربية كانت تسكن البحيرة)و الفلاحون من جميع القرى و زحف بالمجاهدين حتى وصل الى دمنهور يوم 25 أبريل 1799 و كانت حاميتها بقيادة مارتان فانقض المجاهدون على رجاله حتى أفنوهم.

كثرت عمليات الجهاد بعد هذا النصر و مرت دورية الكولونيل لوفيفر لجباية و تحصيل الغرامات فوصلت الى دمنهور بعد انكسار حاميتها ثم ولت وجهها شطر الرحمانية أقامت عند قلعة الفرنسيين في المكان الذي تبدأ منه ترعة الإسكندرية،و انتظر المدد من الإسكندرية فوافته قوة على رأسها (ريدون) فالتقت بجموع المجاهدين البحراوية قبل الرحمانية و دام القتال بينهم خمس ساعات انسحب بعدها ريدون فعهد الى (مارمون) بانقاذ الفرنسيين في الرحمانية فترك في رشيد حامية كافية لقمع الثورات ثم سار الى الرحمانية .

و في 3 مايو من نفس العام التحمت القوات الفرنسية في قتال مع المغربي و جموعه عند سنهور القريبة من دمنهور و كانت – وفقا للمصادر الفرنسية – معركة شديدة الهول ،لان المغربي كان يقود جيشا من المجاهدين المتطوعين غير النظاميين قوامه خمسة عشر آلفا من المشاة واربعة آلاف من الفرسان من المتطوعين كلهم من الفلاحين والمشايخ والأعيان و عرب البحيرة و لم يكن فيهم أحد من المماليك ،و استمرت المعركة سبع ساعات حتى ارخى الليل سدوله و كان مع المجاهدين مدفع غنموه من الفرنسيين في معركة دمنهور ظلوا يستعملوه ضد الفرنسيين فيحصدهم حصدا ( مدفع واحد في أيدي المجاهدين غير المدربين يزلزل عشرات المدافع في جيش القائد الأسطورة نابليون بونابرت فسبحان الله مالك الملك يعز أولياءه ويذل أعداءه والله اكبر ولله الحمد)، و ارتبك القائد الفرنسي لوفيفر وأوشك على الانسحاب من المعركة و الارتداد من سنهور الى الرحمانية فلم يرى بدا من اقتحام صفوف المجاهدين حتى خرج من هذه المجازفة و قد تكبد اكبر الخسائر من جرائها كما منَّ الله على المجاهدين بان اتخذ منهم ألفين شهيد (ألحقنا الله بهم في جنة الفردوس)كان منهم الشيخ عبد الله الشوربجي و عبد الله باش من مشايخ دمنهور المجاهدة المنسية كما استشهد مراد عبد الله شيخ عرب الهنادي.

و كتب الله النصر للمجاهدين و ارتد الفرنسيون الى الرحمانية فقصد اليهم المجاهدون يتبعون أثرهم فلما رأوا انهم في موقع منيع عادوا الى دمنهور و جعل منها الشيخ المغربي مقر قيادته.

فيا للحسرة و الآسي حين يتشدق جاهل بغير علم و يفتي بان هذا الشعب ميت لا أمل فيه متجاهلا التاريخ و أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم- الذي قال عن الشعب المصري انهم في رباط الى يوم القيامة و انهم خير أجناد الأرض وان أرضهم أرضا مباركة و أن نيلهم ينبع من الجنة –مما يجعل ذلك المتشدق بغير علم خادما للصهيونية بغير اجر يزرع اليأس في النفوس و يبغض للمصريين أنفسهم و هو لا يعلم أن من يبغض نفسه واصله يهوي به الشيطان في مكان سحيق و سبحان القائل في كتابه العزيز على لسان نبيه يعقوب

(انه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون)

اما آن الأوان أن نتقي الله في حصاد ألسنتنا و أن لا نقول الكلمة لا نلقي لها بالا كما حذرنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وان لا نكون امعات نردد كالببغاوات آراء الغير الذي قد يكون رأيه صادرا-لو افترضنا حسن النية – عن اجتهاد خاطئ فيثاب هو و نأثم نحن ، و إني لأعجب من رجل يتحرج من غيبة شخص فيبهت شعب بكل أجياله على مر التاريخ السابق منهم و اللاحق و الغريب ان البعض يتجرأ على ذلك و هو لا يعلم أن اصغر حاره في مدينته التي يقيم بها رويت بدماء العشرات من الشهداء في فترة يصفها المؤرخون بأنها من أحط فترات التاريخ المصري فما بالنا بفترات السمو

أفلا سكتت السنة الجهلاء أنصتت أذنهم و تابت قلوبهم و وعيت عقولهم وفهموا ما هو آت :

المجـــــزرة :

(قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود*إذ هم عليها قعود و هم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود و ما نقموا منهم الا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد* الذي له ملك السموات و الأرض و الله على كل شيء شهيد* إن الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات ثم لم يتوبو فلهم عذاب جهنم و لهم عذاب الحريق)

صدر الأمر الى السفاح (لانوس)بمغادرة ميت غمر في 5مايو1799لقمع الثورة الكبرى في البحيرة ، وصدع بالأمر و التقى في طريقه بقوة أخرى يقودها السفاح (فوجيير)فتقدمت هاتان القوتان معا الى الرحمانية و واصلت تقدمها الى مسرح الجريمة (دمنهور) حيث قامت المعركة الفاصلة و أسفرت عن هزيمة المجاهدين بقيادة المغربي وتمكن المجرمون أنصار حقوق الحيوان من اقتحام مدينة دمنهور و إحراقها و تخريبها مرتكبين ابشع الجرائم ضد السكان المدنيين العزل مكررين بذلك سيرة أصحاب الأخدود حيث قام الأوغاد الأنذال بحرق البشر أحياء في البيوت وفي الشوارع و ها هو أحد السفاحين القتلة مرهفي الحس أرباب الحضارة (ريبو) يقول :صارت دمنهور في يوم 6مايو ركاما من الحجارة السوداء المختلطة بأشلاء القتلى و دماء الشهداء .

و صدق الحق إذ يقول (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم و تأبى قلوبهم و أكثرهم فاسقون)

و من اشد العجب أن هذه الجرائم الشنعاء كانت مفخرة على ألسنة الفرنسيين كما نصت على ذلك رسالة (لوفيفر)الى (دوجا) في 10 مايو، و رسالة السفاح المجرم (لانوس)الى دوجا من الرحمانية يقول [و الآن.. لم يعد لدمنهور وجود فقد قتل من أهلها نحو ألف و مائتين أو ألف وخمسمائة ماتوا قتلا أو حرقا ] أين أنت يا حمرة الخجل

و قال سفاح فرنسي آخر : ما أبقينا فيها(دمنهور) حجرا فوق حجر.

و حدث مثل ذلك في ميت غمر و طنطا.

صدق او لا تصدق احتفلت مصر رسميا بمرور قرنين على الجملة الفرنسية و عندما سئل أحد المسئولين عن ذلك برر الموقف بأنه احتفال بالعلاقات الثقافية بين الشعبين و ليس احتفالا بالحملة نفسها و نعلق نحن على ذلك بأن العلاقات الثقافية كانت ساخنة جدا في دمنهور و وصل التفاعل الثقافي الى منتهاه بحرق البشر أحياء و لا حول و لا قوة الا بالله

و نعود مرة أخرى لرواية تاريخ الحملة :

ثم بعد ذلك أمر نابليون بجمع معظم قيادات الحملة في البحيرة و أمر (دو مارتان) بتحصين الساحل فيما بين رشيد و أبى قير و الإسكندرية فلقي حتفه في رشيد متأثرا بجراحه من الرصاص الذي أطلقه عليه أهالي طنوب و الزعيرة و هو يستقل سفينته في النيل.

و وصلت المراكب التركية من الإسكندرية الى أبى قير و نزل عثمان خجا الى قلعتها ومعه مصطفى باشا ، و أطلقت النيران على الفرنسيين الذين كانوا بالقلعة و استولى عليها الأتراك و اسروا من كان بها .

و في هذه الفترة كان نابليون في الرحمانية و منها اصدر منشوره المعروف يحذر فيه المصريين من الروس القادمين من موسكو و يذكرهم بأنهم أعداء الإسلام ( كم كان يحب الإسلام والمسلمين)و يهدد فيه المصريين أيضا بأشد أنواع العقوبة كما فعل( بأهل دمنهور و غيرها من بلاد الاشرار)

و في اليوم التالي انتصرت الحامية الفرنسية بابو قير على حامية مصطفى باشا و استولوا على القلعة و سيق مصطفى باشا الى الجيزة أسيرا و عثمان خجا الى الإسكندرية ثم أعيد الى رشيد حاسر الرأس حافي القدمين و طافوا به شوارع المدينة و الطبول من حوله حتى أوصلوه الى داره و عندها حزوا رأسه وعلقوه على أحد نوافذها و تركوه ليراه المارة بالسوق إرهابا لأهل رشيد (هكذا فعل رواد التنوير المتباكين على ذبح المسلمون للخراف في عيد الأضحى المبارك) و لكن هذا الفعل آتى بنتيجة عكسية كما ورد في بعض المصادر حيث فرح

أهل رشيد بهذا الإعدام لان عثمان خجا كان شديد الظلم لأهل رشيد.

وفي اغسطس من نفس العام هرب نابليون من مصر و ولي الحملة لكليبر (الذي قتله المجاهد سليمان الحلبي فيما بعد) .

و استمرارا في سياسة تضليل الشعب المصري والتغرير به التي اتبعتها الحملة فقد قام الجنرال مينو بإشهار إسلامه و بدا يشارك المسلمين في شعائرهم الدينية في مساجد رشيد و تزوج من فتاة رشيدية و انجب منها ولدا سماه سليمان و قيل انه اختار له اسم سليمان الحلبي قاتل سلفه الجنرال كليبر تملقا لعواطف المصريين و المسلمين منهم خاصة.

و من المعلوم أن مينو قد ترك زبيدة بعد الجلاء الفرنسي عن مصر سنة 1801 في تورينوا بإيطاليا و يستغرق في مجونه و خلاعته مع الراقصات و يهجر زبيدة فتموت كمدا ، وكان إسلامه لم يكن إلا مجرد خدعة .

و يبقى أمر جدير بالذكر قبل طي صفحة الحملة الفرنسية و جهاد البحيرة ضدها إلا و هو عزة النفس التي تحلى بها أهل البحيرة في تصيدهم قادة جيش نابليون بين الرحمانية والإسكندرية عبر البحيرة حيث تمكن المجاهدون في احدى القرى من أسر أحد قيادات الحملة و كان برتبة كولونيل و حاول نابليون افتدائه بمبلغ كبير جدا من المال الا ان مجاهدو البحيرة رفضوا الاغراء و قتلوا السفاح انتقاما للشرف و شهد بذلك المؤرخ الفرنسي (ادوار جوان) (انظر اقليم البحيرة ص396)

مقارنة بين جهاد دمنهور و ثورتي القاهرة ضد الفرنسيين :

قبل أن نطوي صفحة جهاد دمنهور ضد الحملة الفرنسية نريد أن نقارن بين جهاد دمنهور الباسلة و ثورات القاهرة ضد الفرنسيين و ليست المقارنة للتفاخر او لمجرد القارنة النظرية و لكن هدف المقارنة هو التذكير بأن المؤرخين العرب و المصريين خصوصا قد أهملوا كثيرا في حق شعوبهم بتجاهل دورهم الجهادي و ترك الميدان للمستشرقين و الأعداء لكتابة تاريخنا كما لم يكتفي المثقففون بذلك بل وجهوا طاقتهم وجهدهم لدراسة تاريخ اوربا و مذاهب الاوربيين الفكرية و الاقتصادية و الاجتماعية و كأن هؤلاء المثقفون لم يكونوا ابناء حضارة أو أنهم لقطاء لا أصل لهم و عندما درس البعض تاريخنا اكتفى بذكر تاريخ العاصمة و دون تاريخها كما تدون نشرة الأخبار و من هذا المنطلق نوضح في تلك المقارنة بعض النقاط المنسية

– انطلق ابناء البحيرة للجهاد في سبيل الله من قبل أن تطا اقدام الفرنسيين الاسكندرية و كان لهم دور في الدفاع عن الاسكندرية خلف السيد محمد كريم بينما انتظر أهل القاهرة حتى تصل الحملة اليهم

– اتسم جهاد البحيرة و دمنهور بالايجابية منذ اللحظة الاولى لدخول الحملة بينما اتسمت حركة القاهريين في بادئ الأمر بالإتكالية و الدروشة الاكتفاء بقراءة البخاري في الشوارع و في صحن الازهر و الهتاف يا خفي الالطاف نجنا ممانخاف و القليل منهم ساعد المماليك في الدفاع عن المدينة و الباقي يشارك بالصراخ و في هذا الشأن يقول الجبرتي و كأن هؤلاء العامة يجاهدون بصراخهم

– روى الجبرتي عن سكان القاهرة حالة من الفوضى العامة عند دخول الفرنسيين و حالة من الهجرة الجماعية و السلب و النهب حيث سقوط سلطة الدولة بينما كانت دمنهور تقف لقوات الجنرال ديموي بالمرصاد حتى اضطر لتغيير طريقه و الابتعاد عن دمنهور الا ان مجاهدو دمنهور طاردوه حتى رجع الى الاسكندرية و قد خسر ثلاثين من رجاله و اثخنت قواته بالجراح

– لم ينخدع أهالي دمنهور بالبيانات البراقة التي القاها عليهم نابليون من انه يحب الاسلام و انه جاء ليحررهم و ما الى ذلك من اكاذيب بينما انخدع بذلك اهل القاهرة و زين المشايخ للناس ذلك و اشتركوا في الدواوين التي انشأها نابليون معترفين بذلك بشرعية الاحتلال الفرنسي.

– اتسم جهاد اهل البحيرة و الاسكندرية بالنظام و التحرك الجماعي و السرية و حسن التنظيم و اكبر دليل على ذلك اتفاق المجاهدين من دمنهور و الاسكندرية على حصار جيش الحملة في يوم 23يوليو1798و بالفعل تم الامر بشكل مفاجيء ومباغت للفرنسيين كماكان جهاد البحيرة يتم خلف قيادات و تنظيم و اكبر مثال على ذلك توحد أهل البحيرة خلف الشيخ المغربي الا ان هذا الامر لم يكن موجود في ثورة القاهرة و بالذات الثورة الاولى حيث تحدث عنها الجبرتي باعتبارها فتنة و اتسمت بالكثير من الفوضى و اختلط فيه الثوار باللصوص و كان الامر هياج عشوائي

– الشرارة الاولى في ثورة القاهرة الاولى كانت بسبب فرض الضرائب لصالح الحملة بينما جهاد البحيرة لم تدخل فيه الاسباب الاقتصادية مطلقا بل كان لأسباب عقائدية بحتة و الدليل على ذلك أن أهالي البحيرة كانوا يحرقون مزروعاتهم حتى لا تكون مددا للفرنسيين كما انهم رفضوا فداء الاسرى الفرنسيين بالمال

– ثورة القاهرة الاولى اتسمت ببعض الاعمال العدائية ضد الاقليات من مسيحيين أقباط و شوام و يهود بل و ضد المسلمين الذين يسكنون في جوار الاقباط مما حقق هدف نابليون في زرع بذور الفتنة و الإيحاء للاقليات بأنه هو حاميهم الوحيد و بالفعل بعد انتهاء الثورة نكل بالثوار تحت اسم القصاص من الجناة و المخربيين الذين نهبوا بيوت الاقباط و الشوام و اليهود مما كان له اثر سيء فيما بعد .

قصة الالفي مع دمنهور

جاء يوم 12 فبراير سنة 1804 و رست على ابو قير السفينة الانجليزية (اراجو)و هي تقل الالفي بك و هو محمل بالهدايا و الستة عشر مملوكا من حاشيته الخاصة عائدا من عند اسياده الانجليز بعد ان اتفق معهم على تسليم مصر لهم و لهذا قدم لعمل الترتيبات الازمة ، عاد الالفي من لندن و هو ممتلئ بالأمل الكبير بالاستيلاء على مصر و لم يكن في حسبانه ان يعود ليجد المماليك قد انفضوا من حوله و انضموا بزعامة البرديسي (عميل فرنسا)الى محمد علي و لكن هكذا تغيرت الظروف حتى اصدر البرديسي امرا – بعد ان استشار محمد علي – امرا بقتل الالفي اينما وجد ، و لكنه فر من ايدي الباحثين عنه و اختفى الى حين .

و لكن الألفي قد بات على أحر من الجمر لان الإنجليز لم يحضروا إلى مصر حسب الوعد و أخشى ما كان يخشاه أن يحضروا فيجدونه مهيض الجناح فيتشككوا في زعامته للمماليك على النحو الذي رأوه عليه منذ ر – رحل معهم في الجلاء –إلى بلادهم و لكن هكذا انشق المماليك على أنفسهم فليعتمد هو على نفسه و ليجمع حوله حاشيته و العرب الذين صاهرهم و ليستخدم قوة شخصيته و جبروته حتى لا تزعزع هذه الاحداث الجارية ثقة الانجليز به اذن فليسرع فالزمن ينقضي وآن أوان لحضور الاعوان فليسبق هو الى دمنهور .

و على أسوار دمنهور تحطمت أحلام الألفي

اين الوعود يا انجلترا ؟؟

هكذا كان الألفي يهمس لنفسه كلما انقضى يوم و لم يأته من الانجليز خبر. فليستعد اذن ، و لكن اين يكون اللقاء ؟؟

في دمنهور لأن موقعها يتوسط بين القاهرة و الاسكندرية جهةً و يستطيع بذلك أن يستولي على الرحمانية و عند دمنهور يستطيع أن يخف سريعا للقاء اصدقائه الانجليز القادمين من السواحل كما انه لا يملك قوة بحرية تمكنه من الاستيلاء على الثغور.

الألفي و الحصار الأول لدمنهور:حاصر الالفي بعساكره مدينة دمنهور يوم 10 يوليو1805 و لكن الارناؤوط قاوموه و تحصنوا في داخلها و رابطوا خلف الابراج المقامة فوق مرتفعها المنيع و ضرب عليها الحصار و استمر عدة أيام تبودلت خلالها القذائف و في يوم 26 يوليو علقت سبعة رؤوس بالقاهرة امام باب زويلة بأمر الأغا (المحافظ)لإيهام المصريين أنها لمماليك الألفي الذين قتلوا في دمنهور .و ارسل محمد علي-صاحب الكلمة في الارناؤوط والمماليك حيث لم يكن تولى ولاية مصر بعد-بعض القوات لتحصين الرحمانية استعدادا لقتال الالفي و تحركت قوات محمد علي هذه من الرحمانية و سمع بذلك الالفي فاضطر الى رفع الحصار عن دمنهور و اخذ سبيله الى (الطرانة).

الحصار الثاني لدمنهور على يد الالفي:

وصل الالفي الى دمنهور يوم 29 ابريل سنة 1806 و ضرب عليها الحصار و كان السيد عمر مكرم-زعيم الشعب و نقيب الاشراف-قد بث روح البسالة والتضحية في قلوب أهلها و امدهم بكل ما يحتاجون من امدادات فحصنوا المدينة و أقاموا حولها سورا منيعا و شيدوا عليه الابراج و ركبوا المدافع العديدة و حفروا الخنادق حولها و استحوذوا على البارود و الذخيرة و المؤونة سنة كاملة إذا ضرب عليهم الحصار .

الا انه في تلك الفترة(منتصف يونيه من نفس العام) كان قد اتى للالفي نبأ سعيد الا و هو نبأ العفو السلطاني عنه بشفاعة الانجليز ، و اشتد ساعد الالفي بعفو السلطان و عون الانجليز المنتظر ان آجلاأو عاجلا ، و أذاع منشور في دمنهور جاء فيه

[أرسل الباب العالي فرمانا بتقليدي ولاية مصر و سأتوجه الى القاهرة متى تسلمته لتنفيذ ما فيه فعليكم أن تفتحو ابواب مدينتكم لتبرهنوا على اخلاصكم و طاعتكم لي] لم يعبأ أهل دمنهوربما أذاعه فيهم الالفي بل أرسلوا المنشور الى محمد علي-الذي فرضه الشعب المصري حينئذ على الدولة العثمانية-فكتب اليهم منددا بخيانة الالفي و عبر عن ثقته في ولاء اهل دمنهور له و اسرع الالفي برفع الحصار عن دمنهور الصامدة استعدادا لمواجهة جيش الارناؤوط الذي ارسله محمد علي بالقرب من النجيلة و خسر جيش محمد علي المعركة و اشتد فيهم القتل حتى صارت طراطير الارناؤوط تطفوا على سطح النيل بعد أن القوا بأنفسهم إلى الماء يريدون النجاة و تخففوا من الطراطير حتى لا تغرقهم في اليم (و سميت بمعركة الطراطير)، و غنم الالفي منهم خياما وخيولا و ذخائر لا تعد ولا تحصى -استخدمت بعد ذلك في حصار دمنهور و تضييق الخناق عليها (و هكذا تحولت اسلحة محمد علي الذي تدافع عنه دمنهور الى يد العدو) -و ارسل برؤوس القتلى وعددهم ستمائة الى قبودان باشا (موفد السلطان العثماني) بالاسكندرية ، ويبدوا انه كان يريد ان تصل رسالة للدولة العثمانية مفادها انه-أي الالفي-هو الطرف الاقوى في الصراع على السلطة في مصر مما قد يشجع السلطان على تقليده الولاية و الرهان عليه، حيث كان من المعروف ان السلطان العثماني قد ولى محمد علي باشا ولاية مصر و هو مضطر تحت ضغط الارادة الشعبية المصرية و التي ظهرت للوجود لاول مرة بعد خمول طويل و ذلك بعد احساس المصريين بقدراتهم المؤثرة في احداث الجهاد ضد الحملة الفرنسية الغاشمة حيث تمكنوا من ايذاء الحملة و جهادها جهادا عظيما و ذلك بعد هزيمة المماليك العسكريين النشأة و المجلوبين من اراضٍ بعيدة لذلك الغرض (غرض القتال و الدفاع عن البلاد)و كانوا يستمدون شرعية وجودهم و جبايتهم للضرائب نظير تفرغهم لذلك الامر ، و كذلك في ظل شلل الدولة العثمانية التي كانت تحكم ما يقرب من نصف العالم المسكون آنذاك بل وهزيمتها امام الفرنسيين هزيمة منكرة في قلعة ابي قير التي دخلوها بمساعدة الانجليز، و ايضا في ظل عجز الانجليز (اصحاب اقوى اسطول في العالم انذاك و اغنى دولة في العالم حيث احتلالها لمعظم مناجم الذهب الخام والمعادن النفيسة في القارة البكر) من طرد الفرنسيين من مصر رغم طمعهم في ذلك لاغراضهم السياسية الخاصة( تامين طريق الهند) الا انهم اكتفوا بالاغارة على السواحل المصرية لكسر قوة الفرنسيين البحرية دون محاولة مهاجمتهم داخل البلاد المصرية.

و في ظل تلك الظروف وقف الشعب المصري وحده لا يستعين الا بربه- الله الواحد القهار مالك الملك ناصر المتقين و مخزي الكافرين- مدافعا عن ارضه و هويته و اسلامه الذي حاول عدوه النيل منه باعتباره زاد المقاومة الوحيد بعد انقطاع كل مدد اخر(المماليك و مدد العثمانيين و مدد اعداء الفرنسيين (الانجليز))

هذه كانت خلفية ضرورية لفهم الاحداث في ذلك الوقت و الان نعود لرواية الاحداث مرة اخرى.

و انخلع قلب محمد علي و لكنه صب جام غضبه على طاهر باشا الهارب من معركة النجيلة و امره بالمضي الى رشيد فاسرع الى فوة و استولى على الرحمانية من المماليك انتظارا لتعليمات اخرى و لما وصل الالفي بك الى الرحمانية امر محمد علي قائده طاهر باشا بالتوجه فورا لطرده من الرحمانية فاستقل المراكب و لكن مدافع الالفي فتحت افواهها عليها فغرقت و احترقت و ظل يطارده برا .

حصار الالفي لدمنهور للمرة الثالثة :

و عاد الالفي من النجيلة الى دمنهور و كان اعيانها قد ذهبوا الى قبودان باشا (موفد السلطان العثماني والذي كان قد تلقى رشوة كبيرة من الالفي نظير تسهيل اغراضه) في الاسكندرية فطمأنهم و لكن ظنونهم فيه لم تصدق فارتابوا كل الريب خصوصا انه قد طلب منهم ان يذعنوا بالطاعة و يضمن لهم عدم عدوان الالفي عليهم و لكنه ابو عليه ذلك لأن مستشارهم الامين (عمر مكرم)شجعهم على المقاومة حتى النهاية .

وصل الالفي الى دمنهور وضرب عليها الحصار ثالثة و قدم اليه من الجيزة ستة من امراء المماليك لشد ازره و طال الحصار على دمنهور الابية و القذائف تتوالى من الجانبين و استشهد كاشف (مسؤول)دمنهور و اهل دمنهور مع ذلك في شجاعة نادرة يمانعون الالفي و لا يعبأون حتى بعد ان قطع ترعة الاسكندرية و حرمها هي و البحيرة من الماء وهم صامدون .

لقد فعل الالفي (العميل الخائن) و رجاله بأهل دمنهور ما لم يطرق ببال احد من الوان التعذيب الوحشي فقد كان الطغاة يعلقون اسرى دمنهور الباسلة في أغصان الاشجار بقطع حادة من الحديد يغرزونها من تحت أذقانهم و أخذ أهل دمنهور على أنفسهم المواثيق و العهود بالإستشهاد في سبيل الله و الدفاع عن مدينتهم .

و هجم الالفي بمماليكه على دمنهور خمسة أيام فصدتهم اسوارها مدحورين و تعاقد اهل دمنهور فيما بينهم على انهم اذا جاء الليل كبروا تكبيرة رجل واحد فيقذف الله الرعب في قلوب المعتدين ثم يتلفون أمتعتهم و يطلقون عليهم النيران من فوق الابراج ثم يعودون على أضواء المشاعل يتغنون بالنصر و الاسرى مسحوبون على وجوههم كالاغنام و تم لهم ما ارادوا الا انهم لم يستطيعوا فك الحصار نهائيا عن المدينة.

و جرد محمد علي حملة على رأسها ببر باشا الخازندار و عثمان أغا فوصلت مراكبهم الى الرحمانية و كان للالفي هناك حامية في معسكرها على ترعة الاسكندرية فأجلتها قوات محمد علي و طردتها ثم اتبع رجال محمد علي فكرة جهنمية و هي فتح الترعة فجرى الماء فيها و سيروا عليه مراكبهم و لكن الالفي اسرع و سدها عليهم بمسافة غير بعيدة .

و جاء شاهين باشا و ساعد الالفي على سد فم الترعة بالقطن و فتحه من أسفل فتدفق ماؤها في السبخات المجاورة و نضب ماء الترعة تدريجيا فتعطلت المراكب و خف رجال الالفي الى المراكب فقتلوا من كان بها أو هرب منها عند منية القران و منهم من فر الى سنهور و تحصن بها و لكن رجال الالفي التقت بالهاربين وامعنت فيهم قتلا و استمر القتال بينهما وطال و كذلك انهزم جيش محمد علي مرة اخرى من رجال الالفي .

و انتصف شهر ديسمبر و الالفي مصمم على حصار دمنهور و اهلها صابرون صامدون لم ينجدهم محمد علي بأي شئ قل او كثر فانه كان مشغولا بتكليف عمر مكرم بجمع السلفيات لإنقاذه من الازمة المالية التي يعانيها و من المأزق الحرج الذي حصر فيه بين الاتراك و الالفية و الفلاحين .

و قرر أهل دمنهور الاعتماد على انفسهم مستعينين بربهم لينصرهم على الخائن عميل الانجليز و المماليك المرفوضين من الشعب و المتحالف مع الاعراب (الهنادي و اولاد علي)و المسنود من قبل قبودان باشا ممثل السلطان العثماني و لكن اهل دمنهور لم ييأسوا من نصر ربهم و ابدوا من البطولة ما سجله لهم التاريخ -للاسف- على لسان الاعداء حيث ضعفت ذاكرة الاصدقاء- و و قف المجاهدون رجالا و نساءا و شيوخا واطفالا و قفة رجل واحد فلم ينل منهم الالفي اى منال .

و في خضم هذه الاحداث جاء فرمان السلطان باستمرار محمد علي واليا على مصر كلها فيما عدا الثغور ( رشيد ودمياط و الاسكندرية ) التي ظلت تابعة للباب العالي ، و جمع محمد علي الديوان و قرأ عليهم الفرمان ..

عندئذ ادرك الالفي ان احلامه قد تحطمت على اسوار دمنهور فقد كان يأمل ان يتملكها ليتخذ منها معقلا يقيم بها حتى يبر الانجليز بوعدهم له و لكن المقاومة الباسلة التي تذرع بها اهل دمنهور قد افسدت عليه خطته .

لهذا لم ير بدا من الارتداد عن دمنهور مخذولا و معه اولاد على و الهنادي و غيرهم من عربان الشرقية فقد كان له عليهم سيطرة ونفوذ لكثرة نسائه من قبائلهم ، و لاذ بالفرار الى الصعيد فمات به مغموما مهموما في 28 يناير سنة 1807 حتى حكى عنه من كان حوله في البحيرة بعد الخذلان انه فكر في الانتحار بعد ان ضاقت الدنيا في وجهه بسبب جهاد دمنهور و صمودها و انفض المماليك من حوله و لم ينجزه الانجليز ما وعدوه به .

و سجل التاريخ في صفحات من نور لأهل دمنهور أمجادا خالدة في موقفين : أحدهما مع نابليون و الاخر مع الالفي

لهذا قال [مانجان] Histtore de l,Egypt sous L gouvernment de Mohammed Ali T:1

[ إن دفاع دمنهور المجيد هو جدير بان يسجل في صفحات تاريخ مصر الحربي فقد تولى أهلها الشجعان هذا الدفاع وحدهم دون أن يتلقوا أى مدد أو مساعدة حتى من محمد علي الذي كان هذا الدفاع دفاعا عنه فقاوم أولئك الشجعان بكل ثبات و بسالة قوات الالفي كلها الى ان تكلل دفاعهم بالنجاح ، فكان له تأثير كبير في احباط خطة الباب العالي] و نسي [مانجان] ان يقول احباط خطة الانجليز ايضا بالاضافة لخطة الباب العالي.

و قال (جومار) ايضا [ إن أهالي دمنهور قد أظهروا مثل هذه الشجاعة و المصابرة أثناء الحملة الفرنسية في ظروف تختلف عن الظروف التي قاوموا فيها قوات الالفي مما يدل على ما فطروا عليه من الشجاعة ].

و انتصرت دمنهور و مات الالفي و لكن الانجليز في طريقهم الى مصر بعد ان فاتهم القطار فلتسترح دمنهور قريرة العين و لتحمل راية الكفاح بعدها رشيد الباسلة و اذا كانت دمنهور قد سحقت الالفي فان رشيد ستسحق فريزر فان لها هي الاخرى موعد مع القدر بعد اقل من ثلاث شهور ايضا على ارض الكفاح و مقبرة الغزاة و الدخلاء و القراصنة و الافاقين أرض البحيرة .

إشارة الى جهاد شمال البحيرة ضد حملة فريزر :

و نشهد للحق و التاريخ ان رشيد وادكو و الحماد قد ابلوا بلاء حسنا ضد حملة فريزر استمر شهورا و ما القصة المشهورة بان اهل رشيد قد قاتلوا الحملة بعد توسطها المدينة من داخل البيوت بعد سماعهم صيحة التكبير المتفق عليها ما هذه القصة الا فصل واحد من كفاح المجاهدين الابطال الذين طردوا الحملة الانجليزية وحدهم نعم للحق و التاريخ طردوها وحدهم دون تدخل عسكري تركي واحد اما المماليك فقد كان بعضهم موالين للانجليز والبعض الاخر خائف من مساندة الانجليز بعد مصير الالفي في دمنهور ، ويكفي أن نعلم أن المجاهدين في قرية الحماد قد أفنوا احدى كتائب حملة فريزر حيث كانت خسائرها32 ضابط و 730 ما بين قتيل و جريح و مئات الاسرى الذين هلك معظمهم في الطريق الى القاهرة و من عاش منهم بيع كرقيق للمصريين و تفاصيل كفاح اهل رشيد وادكو و قرية الحماد في كتاب( اقليم البحيرة صفحات مجيدة من الحضارة والتاريخ والكفاح ص418الى440) و نسب الفضل في هذه المعارك الى محمد علي وعساكره الذين لم يدخلوا معركة واحدة مع حملة فريزر بل بالعكس كانوا يخذَّلون المجاهد عمر مكرم و رجاله ويمنعونهم من جمع التبرعات و ارسال المجاهدين و كانوا يمنعونهم من الخروج من القاهرة الى الجهاد في البحيرة و كانوا يشترطون اذن رسمي للخروج و كانوا يصادرون الأموال المتجهه لمساندة المجاهدين البحيرة لما بدا يظهر في الافق من سطوع نجم الجهاد الشعبي و قيادة الحركة الشعبية المتمثلة في شخص المجاهد عمر مكرم و رغم ان الرجل المجاهد كان متجردا و لا يطمع في حكم البلاد بل على العكس هو الذي ارغم السلطان العثماني على تولية محمد علي وجمع التأييد الشعبي له و حث اهل دمنهور على الجهاد ضد الالفي دفاعا عن محمد علي امل مصر حينذاك في ان تحكم بالعدل وفق كتاب الله و سنة نبيه الا أن الطغاة دائما لا يحبون ان يظهر في الصورة غيرهم و لو كان متجردا ،لا يرغبون ان يكون بجانبهم تقاة حتى لا يتضح ظلمهم ،لا يحبون ان يكون معهم في الصورة اقوياء اذكياء و لو كانوا في خدمتهم ، لذلك يعلن الطغاة دائما الحرب على كل فضيلة توضح رذيلتهم ،و على كل نباهة توضح حمقهم ،و على كل قوة توضح ضعفهم ،و على كل جهاد يفضح تخاذلهم ،يحسبون كل صيحة عليهم ، هم العدو فلنحذر منهم جميعا ان شاء الله .

من يجني ثمار النصر

ذاع في البلاد خبر الانتصار انتصار الشعب المصري وحده –بمعونة و نصر الله الواحد القهار-على الانجليز و اسرع الجنود العثمانييون يطرقون الابواب على أعيان البلاد يطلبون البقشيش بكل وقاحة و بلا حياء ، و استباح بعضهم بيوت الحماد الباسلة المطفرة و نهبوا اموالها و مواشيها و فضحوا نساءها.

و كتب حسن كريت يشكوا الى المفتي و لا سميع و لا مجيب و أحاط الارناؤوط –و هم جنود محمد علي – برشيد يبتزون كل ما وجدوه فوقف لهم حسن كريت بكل ما أوتي من شجاعة ففضحهم على الملاء حتى هاجروا الى القاهرة بعد ما ابدوا في الميدان من بسالة و تضحيات !!!!!!!!! اقصد سلب و نهب [و ليت العامة شكروا على ذلك او نسب اليهم فعل بل نسب كل هذا للباشا و عساكره و جوزيت العامة بضد الجزاء بعد ذلك] هكذا قال الجبرتي.

و من العجيب أن السلطان كتب يهنئ الباشا وعساكره و يشكرهم على النصر وقدم من الشام 500 من الارناؤط لتعزيز القوة الغاشمة و ارهاب هذا الشعب الذي بدأ يثق بنفسه و بنصر ربه الذي رآه دون أن يسمعه.

و شهد (دوران فييل)ان نائب محمد علي (طبوز اوغلي) قد تردد في الالتحام مع الانجليز في الميدان فترك حسن باشا يخوض المعركة وحده و عاد هو من حيث جاء و القى مراسيه على بعد ميل من الحماد .

فعلام هذا الشكر السلطاني للوالي الذي وقف في وجه الشعب يحول بينه وبين شرف الجهاد في سبيل الله ؟؟‍‍‍‍‍! و علام هذا الشكر للعساكر الذين فروا من الميدان حتى اذا انتهت المعركة استباحوا الحرمات ؟ اما ابطال النضال فما كان جزاؤهم الا كما يجزي سنمار ، و بعد شهور معدودة يكون زعماء الجهاد والتحرير الحقيقيين في ما بين النفي و السجن ، اما ان جزاء المؤمن في الجنة و جنة الظالم على الارض.

أما الانجليز فقد لعقوا جراحهم بكل برود و اعادوا تنظيم صفوفهم و استطاع القائد (هالويل) ان يبسط نفوذه على البحر باسطوله الذي اخذ بتعزيزه يوما بعد يوم .

و قد سجل يوما 10و16مايو محاولتين قاما بهم القوات البحرية التابعة لاسطول محمد علي و ذلك بالتحرك من ادكو الى ابو قير فتصدت لها مدافع السفن الانجليزية حتى استطاع القبطان هارفي قائد السفينة (استاندرد)تدمير ثلاث سفن من اسطول محمد علي .

و اراد محمد علي الا يخرج من المولد بلا حمص- كما هو في التعبير المصري الدارج-و الا فقد كل رصيده في مصر فأعد جيشا من اربعة الاف ما بين فارس و راجل وجعل القيادة العليا له هو و سار نحو الاسكندرية فلما وصل دمنهور علم ان الانجليز قد جاءتهم نجدة من ثلاث الاف مقاتل و على الرغم من ذلك دب الذعر في قلوب الانجليز و باتوا يتلهفون على الصلح مع محمد علي و قد هالهم ان جيش جديد

لم يشترك بعد في المعركة سيضيف لانتصارات مجاهدي البحيرة الكثير خاصة وان عدد اسراهم قد وصل الى خمسمائة اسير و بدات المفاوضات فعلامنذ 16 مايو و وقعوا مع محمد علي اتفاقية الجلاء يوم 14 سبتمبر في معسكر محمد علي قريبا من دمنهور و رد اليهم الاسرى و تبودلت الهدايا و التعهدات بين الطرفين و دخلت الاسكندرية منذ هذه اللحظة في ممتلكات محمد علي و رجع محمد علي الى دمنهور و صادر املاك كاشف البحيرة و هو في طريقه .

هكذا جنى محمد علي ثمار المعركة و بات المصرييون يصطلون ثمار الشوك و القتاد فلما عاد الى القاهرة و استقر بالقلعة اقام وليمة كبرى لكبار رجال الدولة و دعا اليها السيد حسن كريت بطل معارك رشيد و الحماد و رحب به اشد الترحيب و بعد ان تناول المدعوون ما لذ و طاب خرج حسن كريت محمولا على الاعناق و شيعت جنازته بصفة رسمية و ورى جثمانه الطاهر قبرا غير معروف الى يومنا هذا ندعوا الله له ان يتقبله في الشهداء و ان نلتقي به في جنة الخلد.

فضائح محمد علي في البحيرة :

لم يحفظ محمد علي الجميل لمدينة رشيد الباسلة و لا غيرها ممن كان له جميل على محمد علي او حظي بشرف الجهاد ضد اعدء مصر قلعة العروبة والاسلام .

و قلب محمد علي لأهل البحيرة ظهر المجن و شرع يضطهدهم أشد الاضطهاد و يستبيح حرماتهم هو و عساكره الارناؤوط المسعورون ففي يوم 21 اغسطس توجه بنفسه الى البحيرة ولاسكندرية فنزل الى الرحمانية و استدعى شيخ دسوق فادرك الشيخ ما وراء الاستدعاء من عسف و خسف ففر الرجل و آثر الفرار على مقابلة الباشا الظالم الغاشم فاتخذ من ذلك ذريعة لاطلاق عساكره على دسوق ينهبونها و يضربون طلبة المعهد الديني بدسوق .

و حظيت البحيرة باهتمام الباشا و لكنه اهتمام من نوع خاص فهي أرض الثورات ومنبع الخيرات و على ساحلها الشمالي ثلاثة من ثغور مصر رشيد و ابوقير و الاسكندرية ،لهذا كله جعل كشوفيتها و التزاماتها لاقرب المقربين اليه من أصهاره اولئك الذئاب المسعورة التي لا تكف عن سعارها فالغاية تبرر كل وسيلة في سياسة محمد علي .

و اقليم البحيرة قد عاد اليه الخراب بعد كسر سد ابو قير و طالبت حكومة الباشا الملتزمين في البحيرة بالخراج فاحتجوا بالخراب الذي عم البلاد و تلك هي الفرصة التي سنحت للباشا فقد استولى على اراضي البحيرة و وزعها على اتباعه والاضيشه فلما الت الى هؤلاء أسرعوا الى دعوة اهل البلاد الفارين منها الى العودة اليها .

و بامر الباشا قبض كاشف البحيرة على السيد حسين نقيب الاشراف بدمنهور (19نوفمبر1808)و بالغ في اهانته و صادر ممتلكاته و فرض عليه غرامة باهظة من المال قدرها الفا ريال و بعد اقل من شهرين نال عبد المامور الذي يطيع المخلوق في معصية خالقه حيث نفى محمد علي كاشف البحيرة في 11يناير 1809 الى ابي فير و صادر امواله .

و هناك امور اخرى و مظالم يضيق بنا المجال عن ذكرها الا اننا نخلص ان عهد محمد علي كان يتسم بالظلم و الاستبداد و قتل الحريات الفردية و ضرب زعماء الشعب و القضاء على كل مظاهر وجود و حيوية المجتمع و اصبحت مصر هي محمد علي و محمد علي هو مصر الا اننا لا ننكر ان عهده كان مليء بالانجازات المادية و العمرانية في كل اوجه الحياة المصرية (زراعة و صناعة و ري و استصلاح اراضي وادارة و انشاء طرق ونهضة عسكرية و بناء وعمران و قد انشأ بدمنهور مصنعا للغزل به مائة دولاب و ثمانون مشطا كما انشأ مصنع لنسيج الصوف لإنتاج بطاطين الجنود وكانت تنقل من دمنهور إلى مصنع الجوخ ببولاق لكبسها و صياغتها )ص 110المرجع السابق

الا اننا نزعم ان كل هذا لا يساوي قتل نفس بشرية واحدة بغير حق و مما يؤكد وجهة نظرنا ان كل انجازات محمد علي زالت و لم تجد من يحافظ عليها لما مات محمد علي او ضعفت قوته حيث زالت اهم انجازاته في حياته (اتفاقية لندن وما تبعها من تحالف القوى الدولية على محمد علي )حيث خفض عدد الجيش و فرضت على مصر عقوبات اقتصادية انهت وجودها ككيان اقتصادي قوي و مؤثر في العالم و بدات كل الانجازات تتهاوى بعد ذلك و صدق الحق اذ يقول (ان الله لا يصلح عمل المفسدين ).

و ابسط معيار ندلل به على صدق زعمنا ان الشعب المصري المؤمن المجاهد استطاع ان يقهر الحملة الفرنسية و حملة فريزر ثم ارغم كل القوى الدولية الموجودة انذاك على تولية محمد علي ولاية مصر رغم انف السلطان العثماني و الانجليز (حيث كانا يؤيدان الالفي) و فرنسا (حيث كانت تؤيد البرديسي وتدعمه) رغم ان ذلك الشعب في ذلك الوقت كان اضعف حالا من بعد حكم محمد علي حيث انتشر التعليم و اقيم جيش قوي ماديا و اسطول و ادارة موارد بشكل افضل و طرق ونقل و كيان اقتصادي مؤثر دوليا و كيان زراعي وصناعي الا ان مصر خسرت في الجولة الثانية و هي قوية و ذلك لسبب بسيط انه قد شطبت كلمة مصر و وضع مكانها اسم مكون من كلمتين محمد علي مما يعطينا اكبر دليل على ان أي بناء مهما ارتفع طالما كان على غير منهج الله فهو زائل و نعود مرة اخرى لقوله تعالى (ان الله لا يصلح عمل المفسدين ).

البحيرة و ثورة عرابي :

ادت مظاهر البذخ و الاسراف التي انغمس فيها اسماعيل ابن محمد علي و كذلك اسرة محمد علي ادت الى افلاس خزانة الدولة و تدخل الدول الاجنبية في شئون الحكم فعزلت الخديوي و خلعته و اقامت ابنه توفيق من بعده .

تحملت الاقاليم هذه الديون فكان نصيب البحيرة 32841جنيها مصريا كما تحملت محافظة رشيد 5787جنيها و اصبحت جميع موارد الدولة مرصودة لسداد هذه الديون بالربا الفاحش إلى حساب روتشيلد الانجليزي اليهودي (الذي وعده بلفور رئيس وزراء انجلترا فيما بعد باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين).

و وقفت عقبتان في وجه الخديوي توفيق : الحرية النيابية و اصلاح الجيش و هما المطلبان اللذان نادى بهما احمد عرابي ذلك البطل الاسلامي الصبغة الذي وقف في وجه الخديوي صارخا بشعار عمر بن الخطاب (متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم امهاتهم احرارا) تلميذ المجاهد جمال الدين الافغاني -رحمه الله- و رفيق الامام الشيخ محمد عبده ابن البحيرة ، اما مجلس النواب فقد افتتح في 26 ديسمبر سنة1881 فهدأت العاصفة و بمقتضى امر الخديوي الصادر في25مارس سنة1882 صار عدد نواب المجلس مائة وخمسة وعشرين منهم خمسة عن مديرية البحيرة و كان لعرب البحيرة في ذلك المجلس عضوان .

و توتر الموقف سريعا حتى قدم اسطول انجلترا الى مصر بقيادة سيمور و ضرب الاسكندرية بناء على مؤامرة الخديوي مع العدو الانجليزي للتخلص من عرابي و هتاف الشعب في كل مكان :

[مين زي العسكر في الطوابي الله ينصرك ياعرابي]

و المظاهرات في الاسكندرية تردد (يا سيمور يا وش النملة مين قال لك تعمل دي العملة).

اسطول الانجليز القى مراسيه في الاسكندرية و دكها بمدافعه و نزل العدو الى المدينة فاشعل الحرائق فيها عمر باشا لطفي و الخديوي في قصره ينتظر مجيء أحلافه الانجليز لينصروه على عرابي الثائر باسم الفلاحين على الظلم و التفرقة العنصرية لصالح الاجانب (امتيازات الاوربيين + الجراكسة و الارناؤط)

و ادرك عرابي ان العدو قد دبر خطة لاحتلال مصر و انه في طريقه من الاسكندرية الى القاهرة عبر البحيرة فاعد للأمر أهبته و جعل للحرب ميدانين: الغربي اولا : و مركزه كفر الدوار و ثانيا ميدان الشرقية عبر قناة السويس .

و انتقل عرابي(ناظر الجهادية)الى كفر الدوار و اتخذ منها مقر القيادة للجيش و الشعب و في الوقت نفسه جعلها مقر الحكومة المصرية الجديدة والقائمة باسم الشرع (الشريعة الاسلامية).

و استطاع المجاهدون تحصين مواقعهم بالبحيرة تحصينا جيدا مكنهم من الصمود في وجه الانجليز ما يزيد على خمسة اسابيع و ارسل عرابي الى المديرين و المحافظين فبعثوا اليه بخمسة الاف جاءوا من الغربية و المنوفية والبحيرة و هم الذين قاموا بعمل الاستحكامات تحت اشراف قائد منطقة كفر الدوار : طلبة عصمت.

و جعل المجاهدون ثلاثة خطوط رئيسية للدفاع :و كان ثالثهما يمتد من ابو حمص الى دمنهور و كانت هذه الخطوط محاطة بأرض غير سالكة بسبب الاوحال و المستنقعات حيث تم قطع ترعة المحمودية .

و كان على رأس الخط الاول قلعة سميت ( قلعة الاسلام ) و كانت -كما وصفها بعض الانجليز –أجمل القلاع شكلا و اقواها بناءا و احكمها موضعا و هنا نكتشف كيف ان العرابيين قد ربط بين سقوط مصر في يد الانجليز و هزيمة الاسلام لم لا ؟ الم يتعاهد تلامذة الافغاني على تحكيم الشرع في هذا البلد المسلم ، و كان ايضا بين ابوحمص و دمنهور تل يمتاز على غيره من التلال بارتفاعه و اتساعه اتخذ منه عرابي ظهيرا في حالة الارتداد الى دمنهور .

و كانت دمنهور في اقصى درجات المنعة لحشد المدافع الكثيرة بها وتخزين المؤن والذخائر بها و جعلوا عليها عددا ضخما من المجاهدين المرابطين .

و كان جيش عرابي يتكون في راي المؤرخين المعاصرين للاحداث ان الجيش النظامي وحده كان يتكون من ثمان عشر الفا يضاف اليهم بضعة الاف من عربان البحيرة و الخفراء النظامييون و هذا الجيش الذي عبأه عرابي من المجاهدين عربانا وفلاحين نظاميين ومتطوعين كان له شأن كبير في صد جيش الانجليز الذي كان قوامه اكثر من ثلاثين الف بقيادة(ولزلي) حتى كتب الله النصر للمجاهدين المصريين على الانجليز في الميدان الغربي ، عند كفر الدوار .

لم يعبأ عرابي و المجاهدون المدافعون عن مصر لم يعبأوا بمنشورات الخديوي بعزل عرابي عن ديوان الجهادية و اعتباره عاصيا متمردا فقد كان الشعب المصري مع ثورة عرابي قلبا و قالبا و جاء المؤتمر الشعبي المنعقد بالقاهرة يوم 23يوليو بقراره الحاسم الذي دمغ الخديوي الخائن بالمروق من الدين و خيانة الوطن بانحيازه الى العدو المغتصب و استعدائه على المصريين و زعماء ثورتهم التحررية و قد تولى الشيخ محمد عبده ابن البحيرة عرض الموقف بحكمة علماء الاسلام مما اكسب العرابيين عواطف الشعب الغيور على حما دينه و وطنه و الذي يطمع في تحكيم العدالة و الشورى التي وردت في القران و طبقها النبي(صلى الله عليه و سلم) و الخلفاء الراشدون من بعده .

و في 26 يوليه زحف ثلاثة الاف جندي انجليزي على كفر الدوار و لكنهم انسحبوا مهزومين ، و بعد يومين عاودوا الهجوم بشكل اكبر و من ثلاث مواقع الا انهم لم يفلحوا امام عزم المجاهدين .

عاود الانجليز الهجوم على كفر الدوار في يوم 5 أغسطس 1882جاءوها من الاسكندرية في قطارات مسلحة تعززها قوات اخرى من (الرمل) و(القباري)و اشتبك الجيش الانجليزي مع المجاهدين و انهزم العدو مرة أخرى و ارتد العدو الى الاسكندرية بالرغم من ان العدو كان عدده أضعاف أضعاف المجاهدين و لكن (و الله يؤيد بنصره من يشاء ان في ذلك لعبرة لأولي الابصار ).

لم يغتر عرابي برسوخ قدمه في الميدان الغربي (البحيرة)و لم يثنه ذلك عن التفكير في الميدان الشرقي فقد أوفد اليوزباشي عبد الرحمن محمود (و هو من عائلة محمود المعروفة بالرحمانية) و معه اربعون فارسا الى معركة ( القصاصين)بالشرقية و عاد الابطال المجاهدون منصورين على عدوهم.

اما الانجليز فقد ندموا على هجومهم السابق قبل ان ياتيهم المدد من انجلترا ذلك المدد الذي دشنته ملكة انجلترا فاوفدت ابنها (دوق أوف كانوت) قائدا للحملة فاشتد ساعد(ولزلي) فضاعف من قوته الضاربة.

و انقض الانجليز على عزبة خورشيد فتصدى لهم المجاهدون المرابطون في المكان و صمدوا حتى اتاهم المدد من كفر الدوار و استمر القتال طيلة يوم كامل كبد المجاهدون فيه عدوهم خسائر فادحة بفقد سبعة عشر ما بين ضابط وجندي و استشهد من المجاهدين تسعة و عشرون جمعنا الله بهم في جنة الفردوس .

و عاد الانجليز ثلاثة ايام متوالية 24،25،26 اغسطس و ركزوا ضرباتهم على كفر الدوار و لكن المجاهدين صدقوا الله في الدفاع عن ارضهم و اشتبكوا مع العدو حتى بالسلاح الابيض حتى ردوهم على أعقابهم خاسرين، يلعقون جراحهم تحت نخيل(الرمل) و ارسلوا كتيبة اخرى في قطار اخر ، فأطلق المجاهدون عليه النار فافنوا من كان به من الجنود و الضباط ليذهبوا الى الجحيم و يكونوا وقودا لنار جهنم و ذلك ليؤكد ان المؤمنين المجاهدين في الله حق جهاده من شبه المستحيل ان يهزموا عسكريا و لكن من الممكن ان يؤتوا من جهات اخرى كما سيظهر لنا بعد قليل.

يئس الانجليز كل اليأس ان يدخلوا مصر قلعة الاسلام من الجانب الغربي (البحيرة) فولوا وجوههم شطر الميدان الشرقي (حيث العلاقات الدولية و الوعود البراقة و كلمات الشرف و مؤامنة من اوصانا الله بالحذر منهم

(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين و من يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة و يحذركم الله نفسه و الى الله المصير) .

و انتقل عرابي الى الميدان الشرقي و اعتزم عرابي أن يردم قناة السويس و لكن (ديليسبس ) خدعه باتفاقه سرا مع الانجليز على ان يقنع عرابي و من حوله من المجاهدين بعدم ردمها تحت شعار ان القناة لخدمة الامن و السلم الدوليين و انها من غير المقبول او الممكن ان تستخدم في غير ذلك و ان …….و ان …………الخ.

و استحكمت حلقات الخيانة و قدم العداء من القناة و حطموا معسكر التل الكبير دون اشتباك في معركة شريفة مثل كفر الدوار و مكنهم الخونة أتباع الخديوي من غزو القاهرة و قدموا للجنرال(ولزلي)هدية رائعة رمز الولاء للاحتلال الانجليزي .

و دخل الانجليز القاهرة و في ركانهم الخديوي و ذلك يوم 16 سبتمبر و سار الى كفر الدوار بطرس باشا غالي و محمود رءووف باشا و توجه عبد الله النديم ايضا الى كفر الدوار و لما رأى ما حل بالعرابيين اسرع بالتخفي عن الانظار حتى لا يقع في قبضة الاعداء و عزل الخديوي كل صاحب منصب كبير من العرابيين و اعاد أولياءه و خلصاءه ، و ذهب الجنرال (وود )للوقوف على اسرار المعركة التي هزموا فيها من المجاهدين المصريين و تم احصاء عددهم و ذخيرتهم و اسلحتهم و خططهم في المعارك و نقلت مدافع طابية اصلان و حصون كفر الدوار الى محطة الرمل و كان الانجليز لم يعودوا يطيقون اثار هزيمتهم ، خشية العار .

و اصدرت محكمة الاسكندرية حكمها بالنفي الى مصوع (بالصومال) خمسة عشر عاما على (عبد الرازق علوان) وكيل مديرية البحيرة بتهمة تحريض الثوار في دمنهور و افلت المجرمون الحقيقيون من القضاء و لكنهم لم يفلتوا من محكمة العزيز الجبار ، و كذلك حددت اقامة الشيخ احمد محمود من الرحمانية و غرم ثلاثة الاف جنيه و كذلك ابراهيم الوكيل ثلاثة الاف جنيه مع تحديد الاقامة اربع سنوات مع الوضع تحت مراقبة الشرطة مع تجريدهم من الرتب و علامات الشرف و الامتيازات الممنوحة لهم سابقا فيكفيهم اوسمة الجهاد و التضحية في سبيل الله و الوطن .

و لم يسلم عرابي بعد ذلك من شماتة الحاقدين عليه و هم الذين خدعوا بالانتصار المزيف الذي حققه الخديوي باستعداء الانجليز على مصر (لعن الله المضحين بالاوطان في سبيل الكراسي) و شنت على عرابي اكبر حملة دعائية من التشويه و لازال بعض المؤرخين يتهموه بانه سبب دخول الانجليز مصر و كان الانجليز لم يخططوا لدخول مصر منذ مايزيد عن الثمانين عام أي من قبل ان يولد والدا عرابي و لكننا اعتدنا دائما نذكر البقعة السوداء في الثوب الابيض و نذكر البقعة البيضاء في الثوب الاسود القذر و الله وحده يعلم كيف ان في مصر زعماء حقيقيين شوهوا و اهمل ذكرهم وآخرون وهميون صنعهم الاستعمار على عينه نحتفل بذكراهم و ليس ادل على ذلك من الذين يتهمون عرابي بطل الثورة من اجل اول مجلس نيابي منتخب في الشرق و من اول التجارب في العالم و من اجل قيام جيش قوي يحمي مصر و من اجل ان يحكم مصر كتاب الله الذي يامر بالعدل و الاحسان و مع حب الشعب الشديد له و كذلك الجيش الا انه لم يسع مطلقا للسلطة او حب الظهور و كانت ثورة حقيقية لها ادباؤها و علماؤها و ابطالها و منظروها الذين ضحوا من اجلها و نذكر منهم الشيخ محمد عبده و البطل و الشاعر صاحب السيف و القلم محمود سامي البارودي و اول كاتب ساخر و رسام كاريكاتير في مصر عبد الله النديم و كانت على منهج العالم المجدد الشيخ جمال الدين الافغاني رحمة الله عليه و مع ان الثورة رغم هزيمتها عسكريا فانها قد حققت اهم هدف من اهدافها الا وهو تفعيل دور اول مجلس نيابي في تاريخ مصر و منطقة الشرق كله و قبل بلاد كثيرة من اوربا ،كما حسنت اوضاع الجيش المصري نسبيا(من وقتها و أفراد الجيش يدفعون نصف أجرة في المواصلات العامة و هذا على سبيل المثال لا الحصر) كما اثبتت للتاريخ ان في هذا الشعب عرق ينبض بالحياة و رغم كل هذا يتهم عرابي عند بعض المؤرخين بانه خائن و بعضهم يقول ساذج (و منهم عبد العظيم رمضان)و حتى انصاره من الاجيال التالية اطلقوا على ثورته و جهاده هوجة عرابي.

في حين نجد شخص اخر قفز من ممثل ادعاء صاحب خطبة عصماء تطالب بتوقيع اقصى العقوبة على فلاحين دنشواي -و ذلك لاصابة جندي انجليزي على ارضهم بضربة شمس اثرت على جراحه الناتجة عن رد فعل الاهالي عن قتل امرأة مصرية و حرق منزل- هذا الشخص يقفز على تضحيات الشعب و يصبح ممثل الشعب و بطل ثورة 1919 و لا حول و لا قوة الا بالله . (انظر في ذلك في كتاب ايام لها تاريخ للاستاذ احمد بهاء الدين)

و لا نملك الا ان ندعوا الله ان يبصر هذه الامة و يهديها الطريق و ان يمكن للعقلاء فيها و ان يرزقنا عقولا مبصرة تستطيع حصاد ثمار جهاد هذه الامة و لا تبعثره يمنة و يسارا ،ونعوذ بك من صدورٍ قصيرة الأنفاس تقنع بأول جولة في تحقيق النصرفتنفض ايديها من الجهادفرحة مهللة قبل ان تتأكد من انتهاء المعركة. . . . . . . .اللهم آمين . . . اللهم آمين

اخي ادع معي بهذا الدعاء كي لا تتكرر مآسينا من اول انقلاب نصر الشعب بفرض محمد علي الي نكبة ثم نكبة انكسار انجازات الشعب المادية في نهايات حكم محمدعلي ثم نكبة انكسار الثورة المصرية1881،1882المسماه بالثورة العرابية ثم نكبة تحويل ثورة 1919 الى رحلة تفاوضية ثم نكبة و قوع ثورة1952 في يد الاستبداد السياسي و الاجتماعي

دمنهور و ثورة 1919 :

و في 13 نوفمبر 1918 قدم الشيخ عبد الباقي سرور الى دمنهور و معه عشرات الالوف من التوكيلات المطبوعة لتوقيع ابناء البحيرة عليها لتأييد الوفد المصري برياسة سعد زغلول في طلب استقلال مصر ليتقدم بها الى مؤتمر الصلح بلوزان .

و أخذ الشيخ عبد الباقي يدرب شباب دمنهور على المظاهرات عدة ايام ، و في 17 مارس 1919 قامت مظاهرة كبرى تطوف بانحاء المدينة فأمر مدير البحيرة ابراهيم حليم باشا بتسليط خراطيم المياه الضخمة على المتظاهرين

فكانت تجرفهم بقسوة كما أمر بالقبض على الشيخ عبد الباقي و ايدعه السجن فاشتدت ثائرة الجماهير في 12مارس 1919 و توجهوا الى السجن فحطموه و اخرجوا الشيخ عبدالباقي، و اندمج المدير في المتظاهرين فاعتدوا عليه ضربا بالنعال و كادوا يقتلونه لولا تدخل رجال الشرطة ،و كان المتظاهرون يرددون الاناشيد العذبة في قوة وحماس مثل

حب الاوطان من الايمان و روح الله تنادينا

ان لم يجمعنا الاستقلال ففي الفردوس تلاقينا

و سرعان ما اعلنت الاحكام العرفية و تشكلت محكمة يرأسها ايرلندي و حكم على الشيخ لفصاحته و جرأته بينما صدرت احكام متفاوتة على ابناء دمنهور الاحرار و منهم الشيخ أحمد عبد الكريم و كان من كبار تجار دمنهور بستة أشهر سجن و غرامة 200جنيه، كما حكم بجلد عدد كبير من الشباب الابرياء و نصبت آلة الجلد بميدان المحطة و كان اول مجلو

Advertisements

فكرة واحدة على ”لمدينة دمنهور مواقف خالدة عبر التاريخ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s