مبروك يا رحومه

“نبي دمنهور.. مقاربة تاريخية لسيرة النبي إدريس”:
الخاتمة:
.. لما ألف المؤرخ الكبير الإمام “ابن كثير” كتابه “البداية والنهاية”، ربما كانت الرؤية في ذلك أننا – أي بني “آدم” جميعًا – نسكن في التاريخ بين بداية خلق الكون ونهاية الزمان بأحداث الآخرة. فلكل بداية في هذا الكون نهاية.
وتلك هي رؤية القرآن للتاريخ؛ فالناس أحرار في التاريخ، يفعلون فيه ما يشاءون، ثم إلى ربهم ينقلبون، فيحاسبون على ما كانوا يفعلون؛ إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
لكن الله سبحانه وتعالى لم يترك دينه عبثًا لتحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين، وقد كانت مهمة تصحيح ذلك قبل خاتمية النبوة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تقع على عاتق الأنبياء والرسل.
فبرغم أن الصيرورة التاريخية للتوحيد لم تنقطع من الأرض منذ بدء الخليقة وحتى الآن، إلا أن كثيرًا من الأفكار المحرفة والباطلة والمؤولة مازال لها صدى إما في معتقد سارٍ وفلسفة تعتنق، أو في طائفة تتعصب وحركة تتحزب، أو غير ذلك.. وتلك مشيئة الله في خلقه.
وفي تلك المسيرة الكونية هناك أنبياء ارتبطت بالبداية عند كل البشر مثل “آدم” و”شيث” عليهما السلام، وآخرين ارتبطت – على بعض الأقوال – بأحداث النهاية مثل “عيسى” و”إلياس” عليهما السلام. لكن يبقى من بين جميع الأنبياء “إدريس” عليه السلام هو الوحيد الذي قيل إنه علم على البدايات، فهو قد أدرك من حياة جده الأكبر “آدم” عليه السلام 308 سنة على بعض الأقوال. وقيل عنه أنه أيضًا أنه علم على النهايات، بقولهم عنه أنه “المخلص المنتظر”.
ولما قام الكاتب بتركيز الضوء على معظم ما قيل عن النبي “إدريس”، وجد أنه متعدد الأسماء بشكل يستعصي على الحصر، وتختلف أسماؤه باختلاف الثقافات، إذ أن الظن ليشير بأنه أكثر شخصية تناولتها أقلام في التاريخ الإنساني كله، وذلك لعظم أثره وتأثيره في كل الفلسفات القديمة والمعاصرة تقريبًا، وكذا فإنه ذو حضور خاص في كل الديانات، سواء السماوية منها أو الوضعية كذلك. بل أنه مقتحم بقوة لكثير من الفنون والآداب، علاوة على كل فروع العلوم الإنسانية تقريبًا، وكذا كثير من العلوم التطبيقية أيضًا.
ومن أشهر أسمائه: “إدريس” و”أخنوخ” و”هرمس” و”تحوت”.. الاسم الأول: في الثقافة العربية الإسلامية، والثاني: في الثقافة العبربة والكتاب المقدس، والثالث: في الثقافة اليونانية والغربية، والأخير: في المصرية القديمة.
وقد تفاعل الكاتب مع بعض الأفكار التي تدعي إن “هرمس” عبارة عن نسيج فكري وليس شخص حقيقي، ومن يقول بهذا؛ بعضهم ممن يتعصب لجنسه حتى لقبت تلك الحالة بــ”التعصب الآري” ضد الحضارة المصرية. ومنهم من يتعصب لدينه؛ بتفسيره نشأة الحضارة الإنسانية بالمنظور التطوري الذي يرتكز على ما جاء في الكتاب المقدس من تاريخ تم تفسيره بشكل متحيز ودون موضوعية أو حياد، ليصب في اتجاه المقولة اليهودية بأنهم شعب الله الذي عرف – قبل غيره – فكرة التوحيد. لذلك قرأ المؤرخون الغربيون في العصر الحديث الحضارة المصرية بوصفها حضارة وثنية. وإن كان المفكر المصري “د. عبد الرحمن بدوي” (1917م: 2002م) ممن يقول بكونه نسيج فكري تأثرًا بآراء الأب “فسيتوجيير” و”ماسينيون” (1883م: 1962م). إلا أنه قد تصدى لهم بالنقد كثير من الباحثين والمفكرين، منهم الفيلسوف العربي المغربي “د. محمد عابد الجابري” (1936م: 2010م)، الذي أكد بحثًا على كون “هرمس” ما هو إلا شخص حقيقي يحاكيه الكثير، علاوة على ثلة من الباحثين والمؤرخين الذين أبانوا أثر “هرمس” على مجمل حضارة الإغريق، ومن ثم على الحضارة الغربية كلها.
وقد عرج الكاتب بحثًا على الكتب المنسوبة لــ”هرمس” فيما تسمى بــ”الهرمسيات” أو “متون هرمس” وأثرها الواضح الجلي في معظم ثقافات العالم قديمًا وحديثًا. وقد تجلى عصر النهضة الغربية بما يفوح بذلك تأثرًا وتأثيرًا، وكذا فقد أثرت الهرمسيات على بعض الأديان سماوية كانت أم وضعية، كما تأثر بها كثير من المذاهب الإسلامية، علاوة على بعض الأفكار والحركات السرية مثل الماسونية وغيرها.
كما بان جليًا العمق الحضاري لرسالة النبي “إدريس” وسبقه في التمدن الدنيوي بصوره المختلفة “هرمس” و”تحوت” و”أخنوخ”. فقد كانت رسالته عالمية، وكان له صحف سماوية، وله كثير من الحكم والمقولات المنتشرة إلى الآن على ألسنة الشعوب، وقيل عنه أنه كان ملكًا على مصر. كما كانت ديانته – على الراجح – هي ديانة الصابئة التي ذكرها القرآن ضمن الديانات التوحيدية.
كما حط الكاتب الرحال على ما يشاع بالتواطؤ على الحضارة المصرية القديمة، أنها حضارة وثنية بالكلية؛ ملقيًا ضوءًا كثيفًا على خطأ الغربيين في الترجمة لكلمة واحدة من كلمات اللغة المصرية القديمة هي “نثرو”، كانت سببا في وصم تلك الحضارة بالوثنية. وكلمة “نثرو” تم ترجمتها على معنى “إله” بينما هي في حقيقتها بمعنى “كائن إلهي” أو “ملاك”.
ثم تناول الكاتب علاقة النبي “إدريس” عليه السلام بمصر، موضحًا كونه لم يولد في “منف” المعروفة بــ”ميت رهينة” بالجيزة الآن؛ مرجحًا كونه ولد في مدينة “دمنهور” بمحافظة البحيرة، وأنه قد سكن مدينة “الأشمونيين” بالمنيا، وارتبط اسمه بمدينتي “إدفو” بأسوان و”ميت رهينة” بالبدرشين – جيزة.
ولم ينسَ الكاتب أن يفعل ما قطعه على نفسه في المقدمة بذكره لكل ما تيسر له مما نقل أو كتب أو قيل عن النبي “إدريس” بصوره المختلفة في الثقافات المختلفة، سواءًا كان خبرًا أو أثرًا أو روايةً أو أسطورةً.. أو حتى خرافةً. بهدف إلقاء الضوء على مكانته في الديانات والعقائد والمذاهب والنحل والحركات والأفكار والفلسفات قديمًا وحديثًا، وللتدليل على محورية حركة النبوة في التأريخ لشعوب الأرض حتى في الأساطير.
فقد ورد في سيرته أخبار تفيد بكونه جدًا أعلى للنبي “محمد” صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي “دين القيمة” المذكور في القرآن الكريم، وأنه من أول أولي العزم من الرسل، وأنه مؤلف “كتاب الموتى” الفرعوني، وأنه ذو علاقة ما بالملكين “هاروت وماروت” وكذا الرجال الصالحين المذكورين في القرآن الكريم “ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا”، وأنه صورة لنبي آخر هو “إلياس” عليه السلام، وأن “الخضر” عليه السلام هو إحدى صوره، وأنه هو “ذو القرنين”، وأن الشخصيات الأسطورية المصرية القديمة قد ترمز إليه، مثل “أوزوريس” و”أخناتون” و”حورس الكبير”.
كما تم الإطلاع على الأساطير والأفكار والعقائد التي نسجت على روايات موته عليه السلام، مثل: ما نسب إليه أنه رفع إلى السماء، وأنه حي ولم يمت، وأنه المقصود بمن يرد عند سؤال الله “لمن الملك اليوم”، وأنه أول من خالط الملائكة والأرواح المجردة، وأن طبيعته ملائكية، وأنه رسولٌ بين السماء والأرض، وأنه بطل الأسطورة الشمسية، وأنه أول من صعد إلى الفضاء، وأنه يتجلى في أزمان عدة.
كما تم ذكر ما نسب إليه من أعمال بين الحقيقة والخيال، مثل: أنه أول من اخترع الكتابة، وأنه هو “اللوجوس” أي الكلمة الإلهية الخلاقة، وأنه أول كيميائي، وأنه أول من تكلم في علم الفلك، وأنه أول طبيب في التاريخ، وأنه شيخ الصناع والحرفيين وأول من حاك الثياب، وأنه واضع أول تقويم “التقويم التحوتي”، وأنه أول من مدن المدن، وأنه كان ملكا على مصر، وأنه أول رائد للسحر والتنجيم، وأنه هو الكوكب “عطارد”، وأنه هو مكتشف الموسيقى ومخترع القيثارة والمزمار، وأنه رمزٌ للسلام في العالم، وأنه “نصير الرياضيين”.
بل إن الأمر قد طال بنايات محورية في حركة التاريخ، مثل: “الكعبة المشرفة” التي قالوا أنها من بناياته، والأهرامات التي قالوا عنه فيها أنه أول بانٍ لها. كما ادعى البعض أنه هو “خوفو” نفسه، وأن “أبو الهول” ما هو إلا عمل فني تعبيري ميتافيزيقي بالدرجة الأولى صنع تخليدًا لذكراه.
ثم التعريج على بعض الأفكار التي ارتبطت به مثل: “فكرة الخلاص”، وذلك بتتبع أثر “فكرة الغائب المنتظر” (المخلص) في حركة التاريخ، وتجليات فكرة المخلص الغائب، بخلاف التوظيف السياسي لفكرة المخلص المنتظر. وكذا أفكار “الحركات الماسونية السرية” التي تأثرت به، بخاصة “الحركة الروزيكروشيانية”، وكذا ثأثر الماسونية بالمصرية القديمة على وجه العموم.
وبعد أن رجح الكاتب كون أن “دمنهور” هي أقرب المدن التي يمكن أن تكون هي مدينة النبي “إدريس؛ لزم عنده وقفة غير قصيرة لفرز تلك المدينة معرفيًّا. وذلك بالتدليل على زعم الاستمرارية الحضارية لتلك المدينة منذ فجر التاريخ وحتى الآن، وعرض مبسط لمكانتها المعاصرة في الثقافة الغربية، وكذا عرض للمدينة الإيطالية التي شيدت تقديسًا لها، مع البحث عن سر الاهتمام غير العادي لليهود بــ”دمنهور” منذ الأزل.
فلئن ادعى اليهود لأنفسهم بعبقرية بقاء؛ فلأبناء تلك الأرض المصرية – الدماهرة مثالًا – استمرارية تاريخية حقيقية تدحض هذا الزعم بوجود تلك العبقرية المزعومة أصلًا. لأن الدماهرة لا يدعون أنفسهم بعبقرية بقاء ولا يعرفون شيئًا عن “حورس القديم” الذي تسمت مدينتهم باسمه (ديمن حورس أو دمنهور)، إنما ينتمون إلى ذاك التشكيل الحضاري الآني المتغير بمتغيرات الزمان والمكان، والثابت في خبرتهم التدينية بركيزة “التوحيد”.
مما يسوغ للكاتب اعتبار أن الوجود المستمر لمدينة “دمنهور” المستمر “زمانا ومكانا” واحتفاظها بهويتها المصرية القديمة التي ما كانت وثنية، والتي تنطق بمظاهر ثقافية كثيرة لذاك الاستمرار؛ ما هو إلا تأكيد وبيان على صحة رؤية الكون التوحيدية.
فوفقًا للرؤية التوحيدية فإن “دمنهور” التي هي من أقدم المدن، وأكثرها استمرارية، وبدايتها توحيدية، وأكثرها خبرة تدينية مما مر عليها من أنساق مختلفة (توحيدية ووثنية) تختزل خبرتها التدينية بانتهائها للرؤية التوحيدية التي يبعث الله كل فترة من يجددها ويعيدها إلى صفائها الأول. ولا يؤمن أهلها بمعجزة بقاء. فإلههم لم يحل في تاريخهم كما يعتقد اليهود بأن إلههم قد حل في تاريخهم، الذي يعدونه مقدسًا.
فــ”دمنهور” بهذا التصور تمثل إشكالية عقائدية لصورة التدين اليهودي الحالي، فكما أنها تدحض فكرة “البقاء اليهودي”، تدحض كذلك أفكار “شعب الله المختار” و”الاستمرار اليهودي” “الحقوق التاريخية” و”التاريخ اليهودي المقدس” و”المرجعية العليا للكتاب المقدس”.
مما ينبئ في تصور الكاتب بكون الهوية المصرية المرتبطة بتاريخ المصريين القدماء ما هي إلا شاهد حضاري وثقافي على أن بدء الخليقة منذ “آدم” عليه السلام؛ لم يكن سوى بدءًا توحيديًا، ثم حدث فيه كثير من الانحرافات وشابه بعض الوثنيات التي يدور معظمهما في فلك حقائق نبوية حرفت وأولت لتصبح وثنية، فيبعث الله الأنبياء والرسل كل يعيد للتوحيد وجهه المشرق كتجديد له، وكان من جراء ذلك أن يأتي النبي يلى أخاه وأحيانًا كثيرة يعاصره.. حتى جاءت “خاتمية النبوة” بــ”محمد” صلى الله عليه وسلم كصورة أصيلة لتوحيد الأنبياء من قبل، تهتدي بهداهم وتستقي من نفس المعين الذي استقوا منه.
ثم يرصد الكاتب رصدًا يعبر فيه عن رؤيته لعجائب القدر أن تكون “دمنهور” هي موطن الدكتور “عبد الوهاب المسيري” (1938م: 2008م)، الذي دك الحصون المعرفية للصهاينة، فهو صاحب الموسوعة التي نسفت حصون “بارليف” الاجتماعية لهذه الدولة الطفيلية – بتعبيره- ثم ينهي الكاتب هذا الكتاب بصورة شبه درامية تلخص لاستشرافه المستقبل من معركة معرفية قادمة بين العرب والصهاينة يكون موضوعها “دمنهور” بقوله: “”المسيري” والصهاينة وجهًا لوجه في “دمنهور” معرفيًا”.
.. لذا فقد بان جليًّا أن مصر التي هي أم الدنيا – كما قال “ابن خلدون” (732هـ: 808هـ) و”المقريزي” (764هـ: 845هـ) – والتي تعتبر مدينة “دمنهور” بالتبعية جزءًا منها؛ هي: “منطقة انطلاقة الإنسانية العاقلة والتوحيد في العالم”..
كما بان بأن فكرة “الزمكانية الإيمانية” المرتبطة باستمرارية مصر بمدنها المستمرة عبر التاريخ في نفس المكان، وكذا ابتداء النموذج الجمعي للمصريين بفكرة “التوحيد”، وانتهاؤه أيضًا إلى نفس الفكرة حاليًا؛ لهي النواة الأساسية لادعاء الكاتب بأن هوية مصر ما هي إلا “هوية وجودية توحيدية” تنبع من رؤيتها للكون، ومرتبطة بالصيرورة التاريخية للتوحيد في تلك البقعة المباركة من أرض الله. إذ أنها البلد الوحيد في العالم الذي تجلي الله سبحانه وتعالى لأرضه ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143].
ثم الصلاة على الحبيب.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كامل رحومة – “دمنهور” في 3 نوفمبر 2016م.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s